ابن أبي أصيبعة

419

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

لئلا يأكلها إنسان فيموت أو حيوان فيلسع إنسانا فيقتله ففعلت ما قال وخرجت إلي فلما عرفتني ذلك ذهب علي أمري ودخلت إلى ابني فوجدته نائما فقلت لا توقظوه حتى ننظر ما يكون من أمره فانتبه آخر النهار وقد عرق عرقا شديدا وهو يطلب المستحم فأنهض إليه فاندفع بطنه وقام من ليلته ومن غد أكثر من مائة مجلس فازداد يأسنا منه وقل الطعام بعد أن استمر أياما وطلب فراريج فأكل ولم تزل قوته تثوب إليه وقد كان بطنه التصق بظهره وقوي طمعنا في عافيته فمنعناه من التخليط فتزايدت قوته إلى أن صار كما ترى فعجبت من ذلك وذكرت أن الأوائل قالت أن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة مزمنة لها مئون سنين برأ ولو قلت لك إن هذا علاجه لظننت إني أدافعك ومن أين نعلم كم سنوحيه إذا وجدناها فسكت عنك أقول وللرازي أمثال هذا من الحكايات أشياء كثيرة جدا مما جرى له وقد ذكرت من ذلك جملة وافرة في كتاب حكايات الأطباء في علاجات الأدواء وكان أكثر مقام الرازي ببلاد العجم وذلك لكونها موطنه وموطن أهله وأخيه وخدم بصناعة الطب الأكابر من ملوك العجم وصنف هنالك كتبا كثيرة في الطب وغيره وصنف كتابه المنصوري للمنصور بن إسماعيل بن خاقان صاحب خراسان وما وراء النهر وكذلك صنف كتابه الذي سماه الملوكي لعلي ابن صاحب طبرستان وكان الرازي أيضا مشتغلا بالعلوم الحكمية فائقا فيها وله في ذلك تصانيف كثيرة يستدل بها على جودة معرفته وارتفاع منزلته وكان في أول أمره قد عنى بعلم السمياء والكمياء وما يتعلق بهذا الفن وله تصانيف أيضا في ذلك ونقلت من خط بلمظفر بن معرف قال كان الرازي يقول أنا لا أسمي فيلسوفا إلا من كان قد علم صنعة الكيمياء لأنه قد استغنى عن التكسب من أوساخ الناس وتنزه عما في أيديهم ولم يحتج إليهم وحدثني بعض الأطباء أن الرازي كان قد باع لقوم من الروم سبائك ذهب وساروا بها إلى بلادهم ثم إنهم بعد ذلك بسنين عدة وجدوها وقد تغير لونها بعض التغير وتبين لهم زيفها فجاءوا بها إليه وألزم يردها وقال غيره أن الوزير كان أضافه الرازي فأكل عنده أطعمة لذيذة لا يمكن أن يأكل بأطيب منها ثم إن الوزير تحيل بعد ذلك حتى اشترى إحدى الجواري التي تطبخ الأطعمة عند الرازي ظنا منه أن تطبخ مثل ذلك الطعام فلما صنعت له أطعمة لم يجدها كما وجدها عند الرازي فلما سألها عن ذلك ذكرت له أن الطبيخ واحد بل إننا كنا نجد القدور التي عند الرازي جميعا ذهبا وفضة فسبق إلى وهمه حينئذ أن جودة الأطعمة إنما هي من ذلك وإن الرازي قد حصلت له معرفة الكيمياء فاستحضر الوزير الرازي وسأله أن يعرفه ما قد حصل له من معرفة الكيمياء فلما لم يذكر له الرازي شيئا من ذلك وأنكر معرفته خنقه سرا بوتر